بحث اكاديمي عن الامبراطور نيرون Nero مع المصادر PDF
ننشر لكم اليوم بحث اكاديمي عن الامبراطور نيرون Nero مع المصادر بصيغة PDF، حيث يقدم هذا البحث نظرة شاملة لحياة الإمبراطور الروماني نيرون (54-68 ميلادي) وعهده يتناول البحث نشأة نيرون، وعلاقته بأمه أغريبينا الصغرى، وصعوده إلى العرش، وإنجازاته وفشلاته كإمبراطور، ونهايته المأساوية.
المقدمة:
يدور البحث حول شخصية تُعد من أهم الشخصيات التي شهدت في عهده الامبراطورية الرومانية تغيرات عديدة مع بداية عصرها الامبراطوري الاول حتي منتصف القرن الاول الميلادي منها اضطراب الاوضاع الداخلية وما رافقتها من ثورات ومؤامرات كانت نتيجتها استخدام الامبراطور نيرون ابشع اساليب التعذيب والتنكيل بكل من كان يشك به او يحقد عليه بالإضافة أيضا الا اجبار شخصيات بارزة علي الانتحار والاستيلاء علي ممتلكاتهم لتعويض الخسائر المادية التي انفقها نيرون لإشباع رغباته ونزواته وبالتالي هذه السياسة أدت الي نهاية حكم الاسرة اليوليوكلاودية التي أسسها الامبراطور اغسطس لحكم الامبراطورية الرومانية.
لم تعد الامبراطورية الرومانية في عهدها الامبراطوري الاول نظام مستقل، عن ما سبقه في العهد الجمهوري، بل كان امتدادا حقيقيا لذلك النظام، اذ لم تضع حلولاً جذرية لمعالجة النظام الوراثي في تولية العرش الامبراطوري، وإنَّ هذه الثغرة من أخطر ما واجهته الامبراطورية في عهدها الاول، والذي من شانه خلق مشاكل وصراعات في كل مرة على من يتولى العرش بعد الامبراطور المستقيل او المتوفي، وهذا ما وجدناه في كيفية تولي نيرون العرش الامبراطوري على حساب الوريث الشرعي للامبراطور السابق كلاوديوس والذي أخذ الحرس البرايتوري على عاتقه مهمة اقصاء الوريث وتولي نیرون بدلا عنه وهذا ماسمي بلعبة صناعة الاباطرة التي ظهرت بعد الامبراطور اغسطس مما أدى الى تزايد ضراوة السلوكيات اللاأخلاقية والتكالب على العرش والسلطة والنفوذ بأي سبيل، حتى وصلت الى حدّ إن قتلت الزوجة زوجها، وسط هذه الظروف اعتلى (نيرون) عرش الامبراطورية الرومانية، بعمر ستة عشر عامًا، اذ ربته والدته لكي يحكم امبراطورية هي اقوى واكبر كيان في ذلك الزمان، يساعده في ذلك المشرف على تعليمه الكاتب الكبير والفيلسوف سينيكا وكذلك رئيس الحرس البرايتوري بوربوس)، استطاعت الأم اجريبينا أن تسيطر على زمام الامور بيدها لمدة قصيرة، ولكن سرعان ما نهض الابن الشاب باعباء الحكم الإمبراطوري، والذي امتاز بابشع الأساليب التنكيل والتعسف والطغيان الذي لا يتكرر كثيراً في التاريخ ؛ لما تحمله من أشكال القسوة والتحجر، فكانت أيام حكمه لا تنسى ولحظات سلطانه لا تمحى، فقد غلبت على سياسته الداخلية، وعلى وجه الخصوص في روما هي اشباع رغباته، ونزواته، والافراط في البذخ والترف، والتعسف في الحكم، والاستمتاع بقتل واقصاء كل من يقف ضده ولم يسلم منه أقرب الناس اليه، وبهذا شهدت روما في عهده أبشع صور الانحطاط في كل المجالات السياسية، والاقتصادية وحتى الإدارية، ودليل على ذلك الوضع المريب في حريق روما.
أولا: نبذة تاريخية عن الإمبراطورية الرومانية حتى اعتلاء الامبراطور نيرون العرش
تُعتبر الامبراطورية الرومانية أعظم وحدة حضارية وسياسية عرفها التاريخ، اذ لم يقدر لإمبراطورية اخري في تاريخ البشر القديم او الحديث ان تبلغ ما بلغته هذه الامبراطورية من قوة واتساع، وذلك انها ضمت بين حدودها جميع مراكز الحضارات القديمة - باستثناء فارس والهند - وذلك عندما بلغت اقصي اتساعها علي عهد الامبراطور تراجان (98-117)، وقد امتدت عندئذ من المحيط الاطلسي غربا حتي الفرات شرقا كما ان نفوذ روما امتد بعيدا الي ما وراء الحدود السياسية حتي بلغ فارس والهند وتطرق الي النوبة والسودان ونفذ الي جوف الصحراء الكبري كما بلغ الشعوب الجرمانية الضاربة في مجاهل أوروبا [1].
وترجع عظمة الامبراطورية الرومانية الي ان السلطة المركزية فيه استطاعت ان تحكم سيطرتها على هذه المساحات الجغرافية المترامية على الأطراف وعلى تلك الشعوب والامم المتباينة الاصول والحضارات، الامر الذي تطلب من الحكومة الرومانية اصدار وسن قوانين وتشريعات تناسب ذلك العدد الضخم من الشعوب التي اختلفت بعضها عن بعض في التراث التاريخي والحضارة واللغات والديانات وليس هذا وحده مصدر عظمة الامبراطورية الرومانية ومنار الاعجاب بها بل تبدو هذه العظمة في مقدرتها علي استيعاب شعوب عريقة ذات حضارات قديمة كالمصريين واليونانيين جنبا الي جنب مع شعوب اخري حديثة العهد ومازالت في فجر تاريخها مثل الغاليين والرومان وهنا نلاحظ ان امتداد الامبراطورية الرومانية علي شواطئ البحر المتوسط جعل من هذا البحر شريانا رئيسيا يربط بين مختلف اجزائها في حين ساعدت الانهيارات الداخلية علي الربط بين اطراف الولايات هذا فضلا عن الطرق الممتدة التي اشتهرت بها حضارة الرومان والتي اقاموا منها شبكة واسعة مترامية ليس ليها نظير في التاريخ [2] ، اما عن بداية تاريخ الإمبراطورية لا يوجد تاريخ محدد يبين انتقال روما من الجمهورية الى الامبراطورية ولكن ارجعها بعض المؤرخون علي ان بداية الإمبراطورية الرومانية هو مع بداية تعيين يوليوس قيصر ديكتاتور دائما سنة (44ق.م) كذلك اتخاذه لقب امبراطور وبهذا عمل يوليوس قيصر على التخلي عن القيود التي كانت ايام حكم الجمهورية لكن دون الغاء الأوضاع الدستورية الغاءاً تاماً وبفضل هذه السلطات عين قيصر موظفين وحكاماً اقليمين ووضع عدد من الوظائف التنفيذية وسيطر في تحكم شامل على مسائل الحرب والسلم والشؤون الخارجية واداره الإمبراطورية حتى اصبح الانتخاب الشعبي مجرد صوره للتصديق علي من يعينهم الدكتاتور [3] ، بعد ان يستخدمه قيصر الجمعيات والاحزاب الشعبية كعوامل مساعده في تحقيق اهدافه عمد الى القضاء عليها و على سلطانها حتى لا تكون وسيله لغيره في الوصول ايضا ولم يبقى الا على الجمعيات المهنية والدينية وقد ادت اعماله الى القضاء على النظام الجمهوري وارساء قواعد واوسس النظام الدكتاتوري والذي مهد الطريق لظهور الإمبراطورية التي انشاها اكتافيوس من بعده وذلك بعد النصر العظيم الذي حققه على خصمه الوحيد انطونيوس في معركه اكتيوم سنة 32ق) (م) وتسيد العالم الروماني بصفه الامبراطور الاوحد كذلك منحه مجلس السيناتوس لقب اغسطس الذي يتضمن القدسية والاحترام فضلا عن لقب المواطن الاول او الزعيم اما لقب ابو البلاد منحه مجلس الشيوخ له سنه (2ق.م) [4] اما من الناحيه العمليه كان حكم اغسطس يعتمد علي قوه مجلس السيناتوس التشريعيه والدستوريه وبالتالي فقد كان من المقترض ان يعين السناتوس خليفه اغسطس الا ان الاخير خشي من عوده الصراع الحزبي والتنافس الدموي على العرش فحرص علي ان يعين هو بنفسه خليفته وسلك بذلك مسلك يوليوس قيصر فتبنى ابن اخته اوكتافيا (ماركوس ماركلوس Marcus Marcellus) واخذ يعده للخلافه الا انه توفي قبل موت اغسطس فاخذ اغسطس يرتب الامور لصديقه ورفيق كفاحه الجنرال ( اجريبا (Agrippa) الا انه توفي هو الاخر قبل اغسطس فلم يجد اغسطس امامه الا ابن زوجته جوليا وكان يسمى ( تيبيروس Tiberius ) فتبناه واخذ يعده لخلافته [5] بهذا يمكن ان نقول ان الحكومة الرومانية في اوائل عصرها الامبراطوري الاول كانت قائمه على اساس انها حكومة ملكيه مع احتفاظها بكثير من مظاهر العصر الجمهوري السابق وهذا ما نجده في توليه الكثير من الأباطرة الرومان على اساس ملكيه وراثيه لم تأبه لمجلس السيناتوس بتعيين او اختيار الامبراطور بعد الامبراطور المتوفى او المستقيل [6].
ثانياً: نشأة نيرون وظروف توليه عرش الإمبراطورية الرومانية
هو نيرون كلوديوس قيصر أوغسطس جرمانيكوس ويسمى ايضا نيرو كلوديوس جرمانيكوس، ولُد في 15 ديسمبر من عام 37م في ضاحيه انتيوم قرب روما من اب نبيل عرفه بانه اغلظ الناس قلبا واقساهم طباعا ووالدته جوليا أغريبينا حفيده الامبراطور أغسطس [7]
وهو ينتمي الى اسره كلاوديوس الشهيره و التي حكمت الامبراطوريه الرومانيه منذ بدايه عصرها الامبراطوري الاول حتى سنه 68م فقد اباه المغمور وهو ابن ثلاث سنوات ونفيت امه بسبب طموحاتها السياسيه فنشأه في بدايه الامر على ايدي العبيد والارقاء، بعد أن عادت اغربينا من منفاها بطلب من الامبراطور كلوديوس ومعها ابنها نيرون اذ حرصت على التقرب من الامبراطور والاطاحه بزوجته ميسالينا (Messalina ) وولده بريتانيكوس (Britannicus) الوريث الشرعي للعرش الامبراطوري وكذلك جعل كلوديوس أن يتبنى نيرن وتقريبه من وراثه العرش بدلا من ابنه الشرعي وذلك عن طريق زواجها من الامبراطور كلوديوس اذ وقع الاخير فريسه هذا الزواج وانصاع الى زوجته الجديده التي مدت نفوذها خلال السنوات الست الاخيره من حكم الامبراطور و اخذت تسيطر شيئا فشيئا على حكم الامبراطوريه ومشاركه الامبراطور في اداره الدوله وجلست معه على العرش وهي اول ملكه يصدر الأمر بوضع صورتها على العملة [8].
بعد ان نجحت اغريبينا في تقريب ابنها نيرون الى وراثه العرش اذا قامت بخطوه اخرى تعزز بها الشرعية الكاملة الى ذلك المشروع وهي التقرب من اوكتافيا ابنه الامبراطور كلوديوس والتي كانت تهدف من هذا التقرب ان يكلل في النهاية بزواج نيرون من اوكتافيا وبالتالي يحصل نيرون على وراثه العرش بسهوله اكبر من امكانيه حدوث ذلك للوريث الشرعي للحكم وقد تم لها ما خططت له وتم تزويج نيرون من اوكتافيا سنه 53 م ومن جانب اخر عهدت اغريبينا مهمه تربيه وتنشئه نيرون الى اثنين من اكثر المخلصين لشخصها وهم سينيكا Seneca الفيلسوف و بوربوس الذي وعدته بان يكون قائدا للحرس وعمل الاثنين بكل اخلاص وتفاني على تهيئه وتنشئه نيرون ليكون جاهزا وقادرا على اداره الإمبراطورية الرومانية وبعد مرور عام علي زواج نيرون من اوكتافيا اصيب كلوديوس بمرض شديد واصاب الفتور علاقته باغريبينا اذ ادرك مدى نفوذها من حوله و شعر بالندم ايزاء اهماله الوريث الشرعي (بريتانيكوس) فحاول جاهدا ان يبعد اغريبينا وابنها عن الحكم لكنها قامت بما يوجب ان تقوم به والدفاع عن عرشها ومستقبل ابنها وعالجته بالسم قبل ان يعالجها بالاقصاء وبذلك انتهى حكم كلوديوس مقتولا بالسم سنه 54 م ليتم اعلان نیرون امبراطورا للإمبراطورية الرومانية باسم نيرون كلوديوس قيصر وهو بعمر ستة عشر عاما وبذلك يعُتبر اصغر امبراطور يعتلي العرش في ذلك الوقت [9]
ثالثاً: تولي نيرون العرش وانفراده بالسلطة
شهدت بداية تولي نيرون بفتره من الحكم الصالح وذلك بتوجيه من بوربوس قائد الحرس البريتوري و سينيكا معلم نيرون اذ اظهر نفسه معتدلا لا يحب الفخفخة والبذخ فرفض لقب ابي البلاد ولم يوافق على نحت تماثيل له او ان يكون بدء السنه من شهر ميلاده محاولا القيام ببعض الإصلاحات وعندما ثبت عدم امكانيه تحقيق و تنفيذ تلك الاصلاحات وذلك لوجود والدته اغريبينا التي كانت تسيطر سيطرةً كامله على مقاليد الحكم والذي لم يؤلفه كل من سينيكا و بوربوس اذ حاولا جاهدين بالتأثير على نيرون للحد من نفوذها، ولما علمت بذلك حاولت ان تقضي على نيرون لكنها فشلت ليكون ذلك بداية الصراع ما بين نيرون ووالدته وظهر ذلك بشكل اوضح عندما ابتعد عن زوجته اوكتافيا التي لم ير فيها سوى خطه من خطط والدته للوصول الى الحكم وبعد ذلك تحولت افعال نيرون الى الخطورة بتهديد العرش لذلك قامت اغريبينا بمواجهه نیرون ووبخته على افعاله مهدده ایاه بانه ان لم يطيعها فسوف تعيد العرش الى الوريث الشرعي بريتانيكوس فكانت هذه التهديدات لها وقع شديد على نيرون الذي تنبهه الى وجود الوريث الشرعي للحكم على قيد الحياه و احتمال تنفيذ اغريبينا لتهديدها فسعى جاهدا للتخلص منه عن طريق السم وهو ما تم تنفيذه حسب رغبه نيرون وقتل بريتانيكوس سنة 55 ميلاديه، على اثر ذلك بدء نيرون بالتخلص من الدائرة التي فرضت نفسها عليه شيئا فشيئا فبعد ان دبر مقتل بريتانيكوس اخذ يهيم بعشيقته بوبايا سابينا Poppaea Sabina [10] التي كانت زوجه لرجل من الاشراف وهو ( ماركوس سالفيوس اوتو ) وهذا ماجعل والدته ان تعنفه مره اخرى لهذا التصرف وكذلك لان انصرافه الى الفن والشعر والتمثيل والغناء وعدم اكتراثه بفن الحكم فغضب نيرون من امه كثيرا و تحت تأثير عشيقته بوبايا سابينا دبر مصرع والدته اغربينا عام 59م وما ان تخلص من امه حتى طلق زوجته الشرعيه اوكتافيا كذلك بتحريض من بوبايا سابينا التي تزوجها فيما بعد ولم يكتفي نيرون بطلاق زوجته اوكتافيا بل نفاها فيما بعد والتخلص منها الى الابد عام 64 م [11] بعد ذلك احس نيرون انه حر في ممارسه الحكم وكان قد بلغ في ذلك الوقت الثانيه والعشرون من عمره ومن ثم راح يدير شؤون الإمبراطورية كما يشاء وساعده في ذلك موت بوربوس واستقالة سينيكا.
رابعاً: حريق روما واضطراب الاوضاع الداخلية
في عام 64 ميلادية شب حريق في روما استمر سته ايام مسببا كارثة قومية كبرى، حيث اندلعت النيران بقوه ودمرت عشره احياء من المدينة وامتدت ألسنة النيران الى المناطق التجارية ذات الحوانيت المكدسة بالمواد فضلا عن شدة الرياح والتي بدورها ادت الى زياده انتشار الحريق ليشمل المناطق في اعلى التلال والمنازل والمباني الواقعة في اسفلها وقد فشلت كل الجهود للقضاء عليه، احدث الحريق رعبا وهلعاً بين الناس من النساء والاطفال فهرعوا من ديارهم يحملون ما استطاعوا من المتاع وراحوا يتدافعون دون جدوى من السنه النيران التي حاصرتهم من كل جانب فهلك عدد كبير منهم وسقط عدد تحت اقدام الجماهير، وكان نيرون عنده اندلاع الحريق خارج العاصمة روما وعندما عاد اليها اهتم بالتخفيف عن الناس و مصائبهم وايوائهم وتوزيع الحبوب والأغطية عليهم وأمر ببناء اكواخ مؤقته في حدائق القصر كما امر بفتح المرافق العامة لايواء الناس، ولكن قابله الناس بالجحود والنكران بسبب شائعة انتشرت علي ان الامبراطور عندما عاد الي قصره توجه الي قاعة الغناء وبدأ يغني اغنية حزينة ممسكا بقيثارته وكانت الاغنية عن (طروادة تحترق)، لان الكارثية ذكرته بحريق طروادة كما رواها شعراء الملاحم الطروادية من الاغريق، وما ان توقفت النيران في اليوم السادس حتى عاد الحريق مره اخرى في حي ايمليانوس الواقع بطرف المدينة اذ اتهمت الناس الامبراطور بانه المدبر لهذا الحريق وبانه او عزه الى عبيده بإشعاله وذلك للتخلص من بعض الاحياء القذرة التي لم تصل النيران اليها في الحريق الاول و حتى يعيد بناء المدينة من جديد والذي اكد ذلك هي اعمال نيرون السريعة في اعادة بناء المدينة وانتهاز الفرصة في ايجاد اماكن فارغه لبناء قصره الذي كان يحلم به اذ قام ببناء عدة قصور وحدائق للغناء المزينة بالبحيرات الصناعية بالإضافة الى قصره الكبير المسمى بالبيت الذهبي فوق الاسكويلين واقام تماثيله التي كان من بينها تمثال عملاق يبلغ طوله 120 قدما بالاضافه الى روائع النحت الاغريقي التي جلبها الامبراطور معه من بلاد الاغريق [12]، وهلك الالاف من سكان روما في هذا الحريق واتجهت أصابع الاتهام من السياسيين والشعب تشير الي ان نيرون هو من اشعل النيران خاصه الأخيرة منها اذ اتهمته الدعايه المعاديه له ونشرت اشاعه تقول بانه من تسبب في هذا الحريق عمدا فاتجه نيرون لإيجاد كبش فداء ليلصق به تهمة حريق روما، وما كان من الممكن ان تؤدى الطائفة اليهودية في روما هذا الغرض لأنها كانت تحت حمايه زوجته بوبيا ولا يمكن المساس بها، وبدأ نيرون يلهي الشعب في القبض علي المسيحين وسفك دمائهم بتقديمهم للوحوش الكاسرة واحرقهم بالنيران امام اهل روما في الستاديوم وفي جميع انحاء الامبراطورية، وعاش المسيحين في سراديب تحت الارض وفي الكهوف ومازالت كنائسهم وامواتهم الي الان يزورونها السياح، واستمر الاضطهاد الدموي اربع سنوات ذاق فيه المسيحيون شتي انواع التعذيب الوحشي ، وقال المؤرخ ناسيتوس الذي شاهد تلك الفظائع: أن نيرون جعل يلف المسيحيين احياء بجلود الوحوش الضارية ويطرحهم للكلاب الجائعة لكي تمزقهم، وجعل يلبس للبعض الاخر اردية مغمسة بالزفت ويعلقهم علي مشانق ويضرم فيهم النار في الليل لتضيء اجسادهم كمشاعل للمارة ليتمتعوا برؤيتهم وهم يصرخون من الام الحريق وصار بعربته ليشاهد هذه المناظر الفظيعة [13] .
خامسا: مؤامرة (بيسو – peso) سنة 65 ميلادية
بدا الامبراطور في عام 62 ميلاديه سلسله من المحاكمات التي الصقت فيها تهمه الخيانة العظمى ببعض الشخصيات البارزة اما بغرض ايجاد عذر لمصادره اموالهم او بسبب حقد الامبراطور عليهم وشكه فيهم وبالتالي ادى هذا الاجراء والتصرف الغير موزون تشجيع بعض العناصر الجمهوريين الى التفكير في القيام بانقلاب ضد الامبراطور وقد تزعم أحد رجالات السيناتوس وهو جايوس كالبورنيوس بيسو Gaius Calpurnius Piso مؤامرة ضد الامبراطور وبالتعاون مع روفوس القائد الثاني للحرس البريتوري و لكن تم كشف امر هذا الانقلاب عام 65 م ونتيجة ذلك كان من الطبيعي ان يجنح الامبراطور الى شلالات من الدم والاعدام لعدد كبير من الناس بينهم الشاعر الروماني الشهير لوكانوس تلميذ سينيكا وعدد كبير من اعضاء مجلس الشيوخ لانهم اعترضوا على الارهاب الامبراطوري، كما اجبر البعض عن الانتحار و لم يترك الامبراطور شخصا بارزا دون ان يقضي عليه حتى الجنرال كاربول بطل معارك ارمينيا الذي دفعه للانتحار عام 67م واعتقد الامبراطور انه يستطيع تامين العرش له بتعيين رجال يثق فيهم في القيادات والمناصب الهامه في الدولة لكن ولاء هؤلاء الاتباع للإمبراطورية راح يهتز بسبب تقلب مزاج الامبراطور وهذا ما جعلهم يعتقدون ان دوام الحال من المحال وفي النهاية دفعهم احساسهم بعدم الامان الى التآمر ضد الامبراطور نیرون والقضاء عليه قبل ان يقضي هو عليهم [14].
سادسا: السياسة الخارجية للإمبراطور نيرون
بدأت تظهر في عهد نيرون مظاهر تدهور سياسة إدارة الولايات الرومانية، وتدهور علاقة روما بالممالك التابعة لها في الشرق، وانصب اهتمام نيرون على الإغريق فقط، وأعلن استقلالهم المحلي، والإعفاء من ضريبة الرأس، مما أدى إلى اندلاع التمرد ضد الرومان في بريطانيا عام 61م، بسبب سوء الإدارة وجشع جامعي الضرائب، وفي الشرق اندلع الصراع بين الرومان والبارثيين للسيطرة على مملكة أرمينيا، وحاول اكتشاف منابع النيل جنوب النوبة؛ إلا أن هذه المحاولة لم تتم بسبب قيام ثورة ضده في النوبة، ثارت ضده فلسطين عام 66م، وقامت ثورة ضده في بلاد الغال بقيادة جوليوس المخلص عام 68م، أيده فيها حاكم ولاية اسبانيا جالبا.
سابعا: ثوره فندكس Findex سنة 67 م ونهاية نيرون سنة 68 م
في عام 67 ميلاديه كان نيرون يتابع الالعاب في اليونان اذ وردته أنباء عن وقوع ثوره ضد نظام حكمه فعاد إلى قصره مسرعا لمعالجه الامر الا انه فوجئ بورود انباء عن وقوع انتفاضة ثانية في فرنسا وثالثة في اسبانيا ولم تمضي ايام معدودة الا والثوار يهاجمون روما من عدة جهات.
حاول نيرون تنظيم قادة الجيش ومعظم كبار الدولة تخلوا عنه، واصدر الجيش ومجلس الشيوخ بيانا واعتبروا فيه نيرون العدو الاول للإمبراطورية الرومانية وهكذا وجد نيرون نفسه وحيدا دون اي انصار او معينين، وحتي عاهرات روما اللواتي ازدهرت تجارتهن في عهدة واحتللن مكانة رفيعة في ظل حكمه تخلين عنه وتركنه لمصيره المحتوم، فاضطر للهروب من روما الا انهم ظلوا يتعقبونه في كافة انحاء الامبراطورية، وخوفا من ان يقع في ايديهم وان يقوموا بتعذيبه بوحشية مثلما كان يفعل مع معارضيه اقدم علي الانتحار بان طلب احد مرافقيه بطعنة خنجر في نحره، وذلك بعد موجة من الخوف الهستيري من الموت، ثم اكمل بقية مرافقيه من الجنود الاجهاز عليه وقطعوه بسيوفهم ورموا اشلائه للكلاب[15].
وهكذا انتهت حياة الطاغية الدموي نيرون عام 68 ميلاديه بعد ان دمر وطنه وقتل مواطنيه ونشر الرعب والدمار واسفك الدماء في كل ارجاءه ونواحيه، وبنهايته انتهت أيضا حكم الاسرة اليوليوكلاودية التي انشأها أغسطس للإمبراطورية الرومانية.
ومن اقوال نيرون: أنا نيرون الجبار أقتل من أشاء وأملك من أريد وأقطع الأعناق وأسفك الدماء، فالأرض التي أحكمها لا تغيب عنها الشمس والناس جميعاً تخضع لمشيئتي، لأني سيفاً حاداً يقسم ظهورهم، ونار هائلة تحرق أجسادهم، أنا نيرون الجبار!
الخاتمة:
في ختام هذا البحث الشامل، نستطيع أن نستنتج أن الإمبراطور نيرون هو شخصية تاريخية فريدة ومعقدة، يُعتبر نيرون واحدًا من أشهر الأباطرة الرومان في العصور القديمة، وقد أثرت حكمه وسياساته بشكل كبير على الإمبراطورية الرومانية والعالم المحيط به، قد تميز نيرون بشخصيته المتناقضة؛ فهو رجل ذو مواهب فنية فذة وشغف بالثقافة، وفي الوقت نفسه كان يعرف بوحشيته وقسوته في معاملة المعارضين، كانت فترة حكمه مليئة بالأحداث المهمة، بدءًا من سياساته الداخلية وصولًا إلى حروبه الخارجية، رغم أعماله العديدة التي نالت إشادة البعض، مثل التطوير العمراني والإصلاحات الاقتصادية، فإن نيرون أيضًا ارتكب أفعالًا مشينة وجرائم بشعة، مثل قتله لأفراد أسرته وتعذيب الأبرياء، هذه التناقضات في شخصيته جعلته مثار جدل دائم وتاريخيًا، بالرغم من تأثيره السلبي في الشعبية العامة.
إلا أنه قاد الإمبراطورية الرومانية في فترة حرجة من تاريخها، وقد أحدث تغييرات هامة في الهيكل الاجتماعي والسياسي والثقافي للإمبراطورية، وعلى الرغم من عدم استمرارية سلطته لفترة طويلة، إلا أن تأثيره ما زال ملموسًا حتى يومنا هذا.
في النهاية، يظل الإمبراطور نيرون شخصية معقدة وغامضة في تاريخ الإمبراطورية الرومانية. يعكس حكمه تناقضات الإنسانية وقسوة السلطة، وفي نفس الوقت يتميز ببصمة فنية وثقافية لا تُنسى، على الرغم من جوانبه السلبية، فإن دراسة حياة نيرون تفتح الباب أمام التأمل في قضايا القوة والمسؤولية وتأثيرها على مسار التاريخ.
وقفة للتقييم:
يُعتبر الإمبراطور نيرون شخصية تاريخية معقدة ومتناقضة، فقد أظهر قدرًا من الحكمة والرؤية في بعض الجوانب، حيث قام بمشاريع إصلاحية ودعم الفنون والثقافة ومع ذلك، فإن حكمه كان يشوبه الفساد والاستبداد وسفك الدماء، وأُلقي عليه اللوم بشأن العديد من الجرائم والأفعال المشينة التي قام بها والتي تم ذكر بعضها في البحث بالاعلي.
وبالنظر إلى السياق التاريخي والتحديات التي واجهت الإمبراطورية الرومانية في ذلك الوقت، يمكن فهم بعض القرارات القاسية التي اتخذها نيرون ومع ذلك، لا يمكن تبرير الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان والقمع الذي جرى تحت حكمه.
باختصار، يجب النظر إلى فترة حكم الامبراطور نيرون بشكل شامل، مع الاعتراف بإسهاماته الإيجابية والسلبية، فكل حاكم له ما له وعليه ما عليه، وفهم فترة حكمه يساعدنا على استخلاص دروس قيمة حول الحكم السليم وضرورة الحفاظ على حقوق الإنسان والعدالة في الحكم السياسي.
قائمة المصادر والمراجــــع
2- رائد قاسم، طغاة من التاريخ، د.م ، 2013.
3- ﺳﺎﻣﻲ ﺳﻌﯿﺪ اﻻﺣﻤﺪ، ﺗﺎرﯾﺦ اﻟﺮوﻣﺎن، مطبعة التعليم العالي، بغداد ،1988.
4- سعيد عبد الفتاح عاشور، تاريخ اوروبا في العصور الوسطي، دار النهضة العربية، بيروت، 1967.
5- ﺳﯿﺪ اﺣﻤﺪ ﻋﻠﻲ اﻟﻨﺎﺻﺮي، ﺗﺎرﯾﺦ اﻻﻣﺒﺮاطﻮرﯾﺔ اﻟﺮوﻣﺎﻧﯿﺔ اﻟﺴﯿﺎﺳﻲ واﻟﺤﻀﺎري ، دار اﻟﻨﮭﻀﺔ اﻟﻌﺮﺑﯿﺔ ، اﻟﻘﺎھﺮة 1991 ،ط2.
6- مجدي كامل، اشرار التاريخ، دار الكتاب العربي، دمشق – القاهرة ،الطبعة الاولي ، 2008.
7- و.ج. دي بورج، تراث العالم القديم، ترجمة زكي سوس، د.م، د.ت.
الهوامش
[2] سعيد عبد الفتاح عاشور، تاريخ اوروبا في العصور الوسطي، ص8
[3] و.ج. دي بورج، تراث العالم القديم، ترجمة زكي سوس، د.م، د.ت، ص293
[4] و.ج. دي بورج، المرجع السابق، ص296
[5] ﺣﺴﯿﻦ اﻟﺸﯿﺦ ، اﻟﺮوﻣﺎن ، دار اﻟﻤﻌﺮﻓﺔ اﻟﺠﺎﻣﻌﯿﺔ ، اﻻﺳﻜﻨﺪرﯾﺔ ، 2005، ص59.
[6] سعيد عبد الفتاح عاشور، تاريخ اوروبا في العصور الوسطي، ص21
[7] ﺳﯿﺪ اﺣﻤﺪ ﻋﻠﻲ اﻟﻨﺎﺻﺮي ، ﺗﺎرﯾﺦ اﻻﻣﺒﺮاطﻮرﯾﺔ اﻟﺮوﻣﺎﻧﯿﺔ اﻟﺴﯿﺎﺳﻲ واﻟﺤﻀﺎري ، دار اﻟﻨﮭﻀﺔ اﻟﻌﺮﺑﯿﺔ ، اﻟﻘﺎھﺮة 1991 ،ط2، ص159
[8] ﺳﺎﻣﻲ ﺳﻌﯿﺪ اﻻﺣﻤﺪ ، ﺗﺎرﯾﺦ اﻟﺮوﻣﺎن ، مطبعة التعليم العالي ، بغداد 1988 ، ص157.
[9] ﺣﺴﯿﻦ اﻟﺸﯿﺦ ، اﻟﺮوﻣﺎن ، ص59.
[10] ﺳﯿﺪ اﺣﻤﺪ ﻋﻠﻲ اﻟﻨﺎﺻﺮي، ﺗﺎرﯾﺦ اﻻﻣﺒﺮاطﻮرﯾﺔ اﻟﺮوﻣﺎﻧﯿﺔ اﻟﺴﯿﺎﺳﻲ واﻟﺤﻀﺎري، ص161
[11] ﺳﯿﺪ اﺣﻤﺪ ﻋﻠﻲ اﻟﻨﺎﺻﺮي، المرجع السابق ، ص162
[12] ﺳﯿﺪ اﺣﻤﺪ ﻋﻠﻲ اﻟﻨﺎﺻﺮي، ﺗﺎرﯾﺦ اﻻﻣﺒﺮاطﻮرﯾﺔ اﻟﺮوﻣﺎﻧﯿﺔ اﻟﺴﯿﺎﺳﻲ واﻟﺤﻀﺎري، ص163:ص164
[13] مجدي كامل، اشرار التاريخ ، دار الكتاب العربي ، دمشق – القاهرة ،الطبعة الاولي ، 2008 ،ص73
[14] ﺳﯿﺪ اﺣﻤﺪ ﻋﻠﻲ اﻟﻨﺎﺻﺮي، ﺗﺎرﯾﺦ اﻻﻣﺒﺮاطﻮرﯾﺔ اﻟﺮوﻣﺎﻧﯿﺔ اﻟﺴﯿﺎﺳﻲ واﻟﺤﻀﺎري، ص168:ص169
[15] رائد قاسم، طغاة من التاريخ، د.م ، 2013 ، ص70