جديد :

بحث عن السلطان الملك المنصور سيف الدين قلاوون pdf

بحث اكاديمي عن السلطان الملك المنصور سيف الدين قلاوون pdf

بحث اكاديمي عن السلطان الملك المنصور سيف الدين قلاوون pdf

في زمن الأندلس العربية الإسلامية، عاشت مدنها وقصورها زمن العظمة والمجد، حيث اتسمت بالحضارة والفنون والعلوم، وكانت مساحة للتنوع الثقافي والتعايش السلمي بين الشعوب والثقافات المختلفة. ومع انتشار الإسلام إلى بلاد الشام والمشرق العربي، أسهم السلاطين والحكام في بناء إمبراطورياتهم وتطوير مدنهم وتوسيع حدودهم.
من بين هؤلاء السلاطين العظماء الذين تركوا بصمة في تاريخ المشرق العربي، يبرز شخصية السلطان الملك المنصور سيف الدين قلاوون. إنها شخصية تعبر عن فترة زمنية هامة من تاريخ المشرق الإسلامي، حيث كانت القوى الإسلامية تتنافس وتتصارع من أجل الهيمنة والسيطرة على المناطق الحيوية والاستراتيجية.
تمتاز حياة سيف الدين قلاوون بالعديد من الأحداث المهمة والمؤثرة التي كان لها تأثير كبير على مسار التاريخ الإسلامي. ولد سيف الدين قلاوون في فترة حرجة من تاريخ المشرق العربي، حيث كانت المنطقة تشهد تحولات سياسية واجتماعية هائلة. ومع مرور الزمن، استطاع سيف الدين أن يثبت نفسه كقائد عسكري بارع وحاكم عادل وحكيم، وترك بصماته البارزة في تاريخ الإسلام.
تسعى هذه المقالة إلى استكشاف حياة وإنجازات السلطان الملك المنصور سيف الدين قلاوون، وكيف أن تأثيره تجاوز حدود عصره ليصبح جزءًا من التاريخ العربي والإسلامي بشكل عام. سنتناول في هذا السياق الأحداث الرئيسية التي مرت بها حياته، والتحديات التي واجهها، والإنجازات التي حققها، وكيف أثرت مساهماته في بناء الإمبراطورية التي حكمها وفي تشكيل المشهد السياسي والثقافي في ذلك الزمن.
باختصار، يتعلق بحثنا هنا بشخصية تاريخية عظيمة، لها أهمية كبيرة في تاريخ المشرق العربي، والتي تستحق الدراسة والتأمل لفهم أبعاد تأثيرها ومساهماتها في بناء حضارة الإسلام.

المقدمة

يُعد السلطان المنصور سيف الدين قلاوون واحدًا من أبرز الشخصيات التاريخية في فترة حكم سلالة المماليك في مصر والشام خلال القرن الثالث عشر الميلادي ومؤسس دولة بني قلاوون، يتميز قلاوون بشخصية قيادية استثنائية ورؤية استراتيجية تجاه السياسة الداخلية والخارجية، وترك بصمات عميقة في مسيرة تاريخية مهمة، ويتوقف هذا البحث عند حدوده العظيمة والمؤثرة، ويسلط الضوء على مجموعة متنوعة من الجوانب التي تخص شخصية السلطان قلاوون وحقبة حكمه البارزة.
سيناقش هذا البحث أولاً، نشأة وتكوين السلطان المنصور قلاوون، حيث سنلقي الضوء على خلفيته العائلية والتعليمية التي أثرت في بناء شخصيته وتشكيلها، ثم سيتم استعراض توليه عرش سلطنة المماليك والظروف التي أحاطت بهذا الحدث الهام في تاريخ مصر والمنطقة العربية.
سيُلقى الضوء في الفقرة التالية على صفات وشخصية السلطان قلاوون، حيث سنحاول فهم جوانب شخصيته وقيادته الفريدة التي أثرت في تشكيل سياساته وقراراته خلال حكمه. ومن ثم، سيتناول البحث حال مصر الداخلية خلال فترة حكم السلطان قلاوون، وكيف تأثرت المؤسسات والمجتمع المصري تحت حكمه.
وسنتناول أيضا الجانب الخاص بالعمارة في عهد السلطان قلاوون، حيث سنتطرق إلى الإنجازات البارزة في هذا المجال وكيف أثرت على الطابع الحضاري للمنطقة وفي الفقرة، وسنلقي الضوء أيضا على السياسة الداخلية والخارجية للسلطان المنصور سيف الدين قلاوون، وكيف تفاعلت مع التحديات الإقليمية والدولية التي واجهته خلال فترة حكمه.
وفي الختام، سيتناول البحث وفاة السلطان المنصور قلاوون وتأثيرها على مسار التاريخ المصري والإسلامي، من خلال هذه النقاط، يسعى البحث إلى فهم شامل وعميق لشخصية السلطان قلاوون ودوره في هذا العصر وسلالة حكم المماليك.

نبذة عن نشأة السلطان المنصور قلاوون وتكوينه

السلطان الملك المنصور سيف الدين قلاوون الألفي، وهو ثامن السلاطين المماليك ورابع المماليك العظام، قام بإقامة العمارة وزراعة الحضارة، وشارك في مواجهة الصليبيين، ونتج عن علاقاته إسلام الكثير من أمم المغول، وأسس المدارس والمساجد وبنى القنوات والجسور، وحدثنا المؤرخون انه ولد سنة 619 هـ/1222م وكشأن المماليك عموما لا نعرف شيئا عن طفولته ولا عن نشأته في موطنه الأصلي في شمال البحر الأسود أو القوقاز حيث كان يعيش أتراك الكيبشاك وكما نعرف من المؤرخين انه اصبح مملوكا في سنة 637هـ/1240م أو نحوها، أي وهو في الثامنة عشر من عمره، وعلي ذلك فأغلب الظن أنه وقع أسيرا في أحد المعارك وهو شاب يافع ثم أبعده النخاسون حيث عرض للبيع في اراضي المملكة الأيوبية  ، وكان الذي اشتراه قد دفع فيه ألف دينار ذهبي ثمنا له، فعرف منذ وقتها بلقب "الرجل الألفي"، وقيل انه كان وسيما وحدث ان مات احد ابنائه، الملك الصالح، بالدوسنتاريا، وتقطع قلب قلاوون علي ابنه، فأمر افراد بلاطه بالحداد، فلا يغير منهم احد ملابسه ولا يقصر شعر رأسه الي ان يسمح قلاوون لهم بذلك ، وجدير بالذكر انه لا تكاد تتميز سيرة قلاوون عن سيرة كثير من الأمراء المماليك بصفة عامة ومن ارتقي منهم العرش بصفة خاصة، ذلك انه من المعروف ان تاريخ المراحل الاولي من حياة هؤلاء الامراء قد استم بالغموض والابهام، إذ تضاربت روايات المؤرخين وتباينت اقوالهم حول اصلهم ونشأتهم الاولى، وربما يرجع ذلك الي ان هؤلاء المؤرخين قد اعتمدوا علي الروايات الشفهية التي تتعرض للتغيير والتبديل من وقت لآخر بل بمجرد انتقالها من قسم لآخر، وفي ضوء ذلك لا ننتظر اجماعا علي راوية واحدة عن نشأة قلاوون في المصادر التاريخية المختلفة وان كانت اغلب هذه المصادر قد اتفقت علي امر واحد، وهو أن قلاوون تركي الجنس ومن مواليد القبيلة المعروفة ببرج أغلي ببلاد القفجاق أو القبجاق في جنوب روسيا ولم يرد في المصادر ذكر تاريخ مولده، وكل ما ورد بشأن هذه المرحلة الأولى من حياته هو أنه جلب الي مصر صغيرا، وذلك بعد ان استولى المغول علي بلاده عام 640هـ 1242م. 

توليه عرش سلطنة المماليك

تولي السلطان قلاوون عرش سلطنة المماليك سنة 1279م، وتعرض في اوائل حكمه لنفس النوع من العقبات التي تعرض لها غيره من سلاطين المماليك ويُقصَد بهذه العقبات خروج بعض كبار الأمراء علي السلطان الجديد لأنهم يألفوا الخنوع لواحد منهم او لاعتقادهم انهم أجدر منه بالسلطنة، من ذلك ان الامير شمس الدين سنقر نائب الشام رفض الاعتراف بالمنصور قلاوون سلطانا سنة 1280م، وأعلن نفسه حاكما على الشام ولقب بالملك الكامل ودعي له في المسجد الأموي  ، وعن تفاصيل توليه العرش سنة 1279م فارتقى قلاوون بسرعة إلى مرتبة الإمارة بعد انتقاله إلى الملك الصالح نجم الدين أيوب، وساهم في قيام دولة المماليك بجانب صديقه بيبرس، غادر إلى الشام مع المماليك البحرية بعد وفاة أقطاي وتصاعد نفوذ عز الدين أيبك وعاد إلى مصر مع الظاهر بيبرس للمشاركة في حرب المغول، وأظهرت مكانته في سلطنة الظاهر بيبرس حيث كان أحد أقوى الأمراء كما اعتمد عليه السلطان الظاهر بيبرس بشكل كبير في جميع أعماله، سواء كانت سلمية أو حربية. 
وعندما أحس السلطان بيبرس بازدياد نفوذ الأمير قلاوون وعظم مكانته خشي ان يهدد ذلك مشروعاته المقبلة بخصوص حفظ منصب السلطنة من بعده لابنه الملك السعيد، لذا لجأ الي حيلة قوية ظنا منه انها تضمن بقاء العرش من بعده لأبنائه وهي أنه زوج ابنه الملك السعيد بركة من غاذية خاتون ابنة الأمير قلاوون 674هـ/1275م، وبذلك ظن بيبرس أن قلاوون لن يطمع في انتزاع الملك من زوج ابنته ، وبعد خلاف كبير بين الملك السعيد والعديد من الأمراء ذهب الي مصر واستقر بالقلعة ولم يمض علي اقامته بها غير قليل حتي احاط بها الجند بقيادة الأمير سيف الدين قلاوون، وقطعوا عنها الماء ولما اشتد حصار الجند للقلعة ارسل السلطان السعيد الي الامراء يعرض عليهم نزوله لهم عن بلاد الشام، ولكنهم أبوا وصمموا علي ان يخلع نفسه من السلطنة، فالتمس من الامير سيف الدين قلاوون والامير بدر الدين بيسرى ان يعطوه الكرك، فأجاباه الي ذلك، واجلس المماليك اخاه بدر الدين سلامش علي العرش ولما رحل الملك السعيد الي الكرك عرض كبار الامراء السلطنة علي الامير سيف الدين قلاوون فامتنع عن قبولها وقال/ "أنا لم أخلع الملك السعيد شرها الي السلطنة وحرصا علي المملكة، لكن حفظا للنظام وأنفة لجيوش الإسلام أن يتقدم عليها الاصاغر، والاولى ألا يخرج الأمر من ذرية الملك الظاهر"، وجدير بالذكر ان الامير قلاوون لم يمتنع عن قبولها رغبة منه في الاحتفاظ بها لذرية صديقه بيبرس أو احتراما لمبدأ وراثة العرش بل رأي ان أغلبية الجيش كانت من الظاهرية أي أنصار الظاهر بيبرس فخشي قيامهم بالثورة ضده، كما أن أكثر البلاد كان يتولى إدارتها أمراء موالون لأسرة بيبرس، لذلك امتنع عن قبول السلطة الا بعد اقصاء هؤلاء الامراء عن مناصب الدولة وحبذ الامراء الموالون له هذا الراي فاتفقوا علي تولية الامير بدر الدين سلامش بن بيبرس سلطنة مصر وكان عمره سبع سنين وعينوا الامير قلاوون أتابكا له، وولما تم تقليد الملك العادل سلامش سلطنة مصر طلب اتابكه قلاوون الي الامراء ان يقسموا له يمين الطاعة وضربت السكة باسميها فنقش علي احد وجهيها: اسم الملك العادل وعلي الوجه الاخر/ اسم قلاوون، كما خطب لهما علي المنابر، واستغل الامير قلاوون صغر سن الملك العادل سلامش فقبض علي زمام الامور في البلاد، واخذ يتطلع الي سلطنة مصر، فزج ببعض الامراء الظاهريه في السجن وامر بالقبض علي عز الدين أيدمر نائب الشام وعين شمس الدين الأشقر بدلا منه ولما تخلص من مناوئيه انتهز ايضا ضعف الملك السعيد وخلافه مع امراءه وقام بنفيه هو وأخويه نجم الدين خضر والملك العادل سلامش الي بلاد الشام وبذلك قد صفا له الجو واستطاع ان يؤسس من بيته اسرة حكمة مصر زهاء قرن من الزمان!  
جلس قلاوون علي تخت الملك في شهر رجب 678هـ/1279م، وحلف له الامراء وارباب الدولة وتلقب بالملك المنصور، كان من الطبيعي ان يعمل السلطان قلاوون علي تدعيم قوته بإسناده المناصب الكبري الي زملائه فعين بعضهم في المناصب الكبرى مثل نيابة السلطنة، وأنعم على بعضهم الآخر بتقادم ألوف وغير ذلك، كذلك رفع السلطان قلاوون من قدر عتائقه وألزامه وصيرهم ولاة الأمور وقادة العساكر ونوابا في الممالك، ولم يكتف السلطان قلاوون بذلك بل نفذ أكبر حملة ضد سنقر الأشقر الذي خرج عليه ورفض الاعتراف بخلع الملك العادل سلامش وتولية قلاوون سلطنة مصر وخضع بعدها سنقر الأشقر وطلب الامان عام 686هـ،/1287م، عن طريق كتابته الي ايلخان المغول ابغا بن هولاكو يحثه علي غزو الشام وكتب معه ايضا الامير عيسى بن مهنا بمثل ذلك، وبذلك دانت بلاد الشام للسلطان قلاوون. 

صفاته وشخصيته

لم يخل مصدر من المصادر التاريخية التي ارخت للعصر المملوكي بعامة، وعصر المماليك البحرية ودولة بني قلاوون بخاصة، من الاشادة بالسلطان الملك المنصور قلاوون ووصفه بأطيب الصفات، وأروع الخصال وفي ضوء ذلك فسر هؤلاء المؤرخون بقاء الحكم في بيته مدة طويلة لان الله اكرمه في ذريته بالحسني علي طيب أفعاله  ، وأجمع المؤرخون علي وصف السلطان قلاوون بأطيب الصفات وأنقاها فبيبرس الدوادار قال عنه أنه (كان حليما، عفيفا في سفك الدماء، مقتصدا في العقاب، كارها للأذى) وابن فضل الله العمري وصفه بأنه كان رجلا مهيبا شجاعا، أما ابن أيبك الدواداري فقد وصفه بأنه كان ملكا جليلا جميلا كبيرا أثيرا رحيما حليما رؤووفا شفوقا لا عسوفا، تام حسن الخلق، وافر الكمال، بديع الجمال، حسن الهيبة في الرحال، تام القامة، عظيم الهامة، مليح الوجه، ظاهر اللون، وافر الهيبة، عظيم الشأن، كثير الاحسان، وقال ابو الفدا (لما تولى السلطان الملك المنصور، اقام منار العدل، وأحسن سياسة الملك، وقام بتدبير المملكة أحسن قيام)، وفي ضوء هذه المشاعر الطيبة، ويمكننا ان نفسر بقاء الحكم في بيت قلاوون مدة طويلة. لم يكد قلاوون يعتلي العرش حتى يأخذ يتقرب الي الناس بالأفعال الطيبة، اذ كان بعض المؤرخين قد أخذ عليه حبه لجمع المال، فإن الاموال التي جمعها قلاوون استخدمها في اقامة العديد من المنشآت الحيوية التي خلدت اسمه، والتي أشهرها المدرسة والبيمارستان، وهي مؤسسات لم يسبقه الي ذلك فيها أحد قديما ولا حديثا، شرقا ولا غربا، هذا عدا القلاع التي جددها بالشام والحروب التي قام بها ضد الصليبين والتتار، مما استنفذ اموالا طائلة  .

أحوال مصر الداخلية في عهد السلطان قلاوون

كانت الاحوال الداخلية لمصر في عهده حسنة ومزدهرة بدليل الانتعاش الذي شمل مختلف انماط الحياة الدينية والعلمية والعمرانية والاجتماعية والاقتصادية ويكفي ان عهده كان خاليا من الازمات الاقتصادية الناجمة عن ظهور الاوبئة والطواعين او توقف زيادة النيل وما يتبعها من حلول الجذب والفناء كما ابطل الكثير من المظالم لرغبته في تخفيف الأعباء عن كاهل رعيته   وعن علاقته بأهل الذمة فكان اهل الذمة أقلية ضخمة ذات اهمية كبيره في المجتمع المصري خلال العصر المملوكي حتي قدرهم بعض الرحالة الغربيين الذين زاروا مصر في ذلك الوقت بعشرين ألفا من القاهرة وحدها نصفهم أقباط والنصف الاخر من اليهود وجدير بالذكر ان هناك عوامل عديدة توفرت لجعل أهل الزمة يتعرضوا لبعض الاضطهادات العنيفة خلال هذا العصر، لا سيما في اوقات الشدة والاضطرابات والفتن وفيما عدا ذلك تشهد كثير من الكتابات المعاصرة علي انهم تمتعوا في عصر المماليك بكل ما تمتع به اخوانهم المسلمون من حقوق وامتيازات، اما عن سياسته مع أهل الذمة فكانت تتسم بالشدة والقوة وان كانت لا تخل من اللين وتخفيف الاعباء عن كاهلهم أحيانا ، كما ان هناك وظائف تم استحداثها في عصر السلطان قلاوون ومنها:
- وظيفة نظر الجيش: وموضوعها النظر في امر الاقطاعات ما يخرج منها وما يدخل اليها وتحرير جزئياتها.
- وظيفة ناظر الخزانة: وموضوعها أن يستوعب ما يخرج من بيت المال وما يدخل اليه وما يصرف في امور المملكة وما يرد من البلاد الشامية وغيرها وكانت وظيفة كبيرة جليلة.
- وظيفة وكالة بيت المال: وكانت وظيفة ايضا جليلة ولا يليها الا من هو من ذوي العدالة المبرزة.
- وظيفة نظر الإصطبلات: وموضوعها التحدث في الإصطبل الشريف وعليق الخيول وامر مناخات الجمال وما أشبه ذلك.
- وظيفة نظر كتابة المماليك: وموضوعها معرفو أسماء الجند وأنسابهم وقت العرض للأسفار وعند تفرقة الجوامك والنفقات وما أشبه ذلك. 
وعن النشاط العلمي في عهده فإن السلطان قلاوون اوقف مدرسته (المدرسة المنصورية) لتدريس الفقه على المذاهب الأربعة وكان يتولى أمر هذه الدروس أجل الفقهاء المعتبرين وعين لكل مذهب مدرس له وخصص له راتبا كل شهر يقدر بمئتي درهم وثلاثة معيدين لكل منهم خمسة وسبعون درهما وخمسون طالبا لجميعهم في كل شهر سبعمائة وخمسون درهما، ويضيف النويري على ذلك ان قلاوون رتب بمدرسته إمام شافعي المذهب له في كل شهر ثمانون درهما ورتب بها متصدر لإقراء كتاب الله عز وجل وخصص له كل شهر راتب يقدر بأربعين درهما.

العمارة في عهد السلطان قلاوون تتحدى قوانين الزمان والمكان

انشأ السلطان المنصور سيف الدين قلاوون مجموعة معمارية متكاملة من المؤسسات تشتمل علي مدرسة وضريح وبيمارستان أي مستشفى ومكتب وسبيل ولم يعرف قبل ذلك غير الجمع بين المدرسة والضريح كما حدث في مدرسة الصالح نجم الدين أيوب المواجهة تقريبا لمدرسة قلاوون وقد اختار قلاوون لمنشآته موقع القصر الغربي الفاطمي وكان به دار تسمى الدار القطبية نسبة الي الامير مؤنسة الطبية الأيوبية وكانت قبل ذلك من املاك ست الملك اخت الحاكم بأمر الله واشتري قلاوون هذه الدار وما يجاورها وعوض سكانها بقصر كان يعرف بقصر الزمرد، وأسند مهمة الاشراف علي العمارة الي علم الدين سنجر الشجاعي وبدأ بهدم الدار القطبية ،ويقول النويري تعليقا علي الفترة الوجيزة التي تم فيها البناء (وإذا شاهد الرائي هذه العمارة العظيمة وسمع أنها عمرت في هذه المدة القريبة ربما أنكر ذلك) وجدير بالذكر ان احتفاؤه بالبيمارستان عظيما وجعله خدمة للجميع لا علي السلطان فقط، وتؤلف هذه المنشآت جميعا وحدة معمارية متجانسة ولها واجهة واحدة شرقية بها مدخل رئيسي واحد ويمتد من المدخل الي البيمارستان في الخلف دهليز يفتح عليه في الجانب الشمالي قبة الضريح وفي الجانب الجنوبي المدرسة، وتشمل هذه المنشئات بعمارتها وتصميمها وزخارفها بالمستوي الرفيع الذي بلغه فن المعمار تحت رعاية قلاوون، إذ تزخر بأنواع المواد التي استخدمت استخداما فنيا جميلا مثل الرخام الملون والمطعم بالصدف والنحاس المفرغ والأخشاب المذهبة والزجاج الملون والزخارف الجصية والأحجار المحفورة والفسيفساء المذهبة وغيرها كما استخدمت في تجميلها الرسوم الهندسية والكتابات والزخارف النباتية، وجدير بالذكر أن أفخم الآثار المتبقية من هذه المجموعة هي الواجهة الرئيسية والقبة ووصلنا من المدرسة إيوان واحد عنيت ادارة حفظ الآثار العربية بإصلاحه في سنة 1338هـ/1919م ووصلنا من البيمارستان معالم ضئيلة وتمت في عهد الناصر محمد عمارة السبيل والكتاب واعيد بناء المئذنة وهدم عبد الرحمن كتخدا القبة وقامت لجنة حفظ الآثار العربية من سنة 1326هـ/1908م بإعادة بنائها علي نمط قبة الاشرف خليل بن قلاوون، فيعد المنصور سيف الدين قلاوون من ابرز الشخصيات في اسرته التي اعلت من شئنه انتصاراته ومنشئاته المعمارية التي لا تزال ترمز الي عظمة القاهرة في عهده  .

السياسة الداخلية والخارجية للسلطان قلاوون

أولا: سياسة قلاوون الداخلية

قاد قلاوون جيشه في معارك عديده وحروب ضد المغول والصليبيين وقد واجه الثورات والفتن الداخلية فخرج على حكمه شمس الدين سنقر نائب الشام طمعا في السلطنة ودعا اهل بلاد الشام للخروج علي قلاوون ونادى بنفسه سلطانا وتلقب بالملك الكامل فبادر قلاوون الي ارسال جيش كبير من القاهرة ألحق الهزيمة بسنقر عام 679هـ/1280م كما أشرنا سابقا، وهرب سنقر الي الكرج للمغول محاولا تأليبهم ضد المماليك، ثم أعلن بعض الأمراء الظاهرية العصيان على حكم قلاوون واتصلوا بالصليبين فألقي القبض عليهم اتباع السلطان وجنده وسجن بعضهم وأعدم الآخرين مما دفعه الي الإكثار من شراء المماليك الشباب لينشأ منهم فرقة مقاتلة جديدة وقام بتدريبهم في الابراج والقلاع ليكونوا سندا وعونا له على منافسيه الأمراء الظاهرية وأعوانهم ، وكانوا كلهم من عنصر الجركس، ورباهم في ابراج القلعة ولذلك عرفوا باسم المماليك البرجية ويميل البعض الي عدم استخدام هذه التسمية لأن المماليك تربوا في القلعة وابراجها، ويفضل هذا الفريق بتسميتهم بالمماليك الجراكسة، والجراكسة ينتسبون الي بلاد الكرج (جورجيا الحالية) وتقع بين بحر قزوين والبحر الاسود والذين كثروا في الاسواق بسبب تعرض بلادهم لغزوات المغول في اواخر القرن السابع الهجري / الثالث عشر الميلادي .

ثانيا: سياسة قلاوون الخارجية

اتجه قلاوون لمواجهة التحديات الخارجية في جهات بلاد الشام خاصة أن الامير سنقر تحالف مع المغول والصليبيين ضد الحكم المملوكي، وقد شجع هذا القائد المغولي أبغاخان في عام (679هـ/1280م) لإرسال جيشه لاحتلال قلاع في بلاد الشام، ودخل حلب حيث حرقها وقتل اهلها وسلبها ثم انسحب عائدا الي العراق بعد ان علم ان السلطان قلاوون قد سار الي غزة في طريقه لملاقاته ودحره، وقد استغل الصليبيون هذه المحاولة المغولية وحاولوا استعادة حصن الاكراد عام (679هـ/1280م) ولكنهم فشلوا في المحاولة، واسرع السلطان قلاوون لتنفيذ خطته بإثارة العداوة والبغضاء بين خصومه واعدائه لكي لا يتحدوا جنده، وليتوجه لكل منهما علي حدة، فعقد الصلح مع الصليبين عام 680هـ/1281م لمدة عشر سنوات علي حدود بلاد الشام وتفرغ للمغول حيث عفا عن سنقر وعينه حاكما علي إنطاكية، وقدم اليه المال لكي يكسبه الي جانبه حتي يتفرغ للقوى الاخرى، وبذلك استطلع قلاوون تحييد الصليبيين بل دفعهم للوقوف معه ضد خصومه الأمراء الظاهرية في بلاد الشام  ، وعلي الرغم من انه قد عقد معهم صلحا ولم تنقض منها سوى أربع سنوات فقط، قام بمهاجمة الاسبتارية في حصن المرقب وهو من أخطر الحصون الصليبية ببلاد الشام ونجح في الاستيلاء عليه مما سبب للصليبين خسارة فادحة وفي الوقت الذي كان المماليك يتأهبون للإجهاز نهائيا علي الكيان الصليبي بالشام، لم ينتبه الصليبيون الي حقيقة الخطر الذي يهددهم، واستمروا غارقين في منازعاتهم الداخلية، وهي المنازعات التي ميزت تاريخ الصليبيين بالشام في النصف الاخير من القرن الثالث عشر للميلاد، وقد انتهز السلطان قلاوون فرصة انشغال الصليبيين بتلك المنازعات، وأرسل حملة استولت علي اللاذقية سنة 686هـ، وهي اخر مدينة تبقت للصليبين من امارة انطاكية  ، وتتمثل نتائج استيلاء المنصور قلاوون علي حصن المرقب في إثارة الرعب والفزع في قلوب اصحاب الحصون والمدن الصليبية الاخرى في بلاد الشام ، طلب امير طرابلس بوهيمند السابع الصلح وعقد هدنة مع المنصور قلاوون، وكذلك فعلت مرجريت امير صور، عقد ملك أرمينية الصغرى الصلح مع السلطان المنصور لقاء دفع جزية سنوية واطلاق سراح الاسرى المسلمين في بلاده، غير انه بعد ثلاث سنوات من عقد الهدنة مع بوهيمند السابع امير طرابلس نقض اهل طرابلس هذه الهدنة واعتدوا علي التجار المسلمين وقطعوا الطريق علي المسافرين علي الرغم من انهم تعهدوا في اتفاق الهدنة السابق الا يتعرضوا لتاجر او يقطعوا الطريق علي مسافر وانتهر قلاوون هذه الفرصة واخر يستعد للزحف الي طرابلس خاصة ان بوهيمند كان قد توفي دون ان يترك وريث فحدث نزاع داخل طرابلس حول الحكم واستنجد فريق من المتنازعين بالسلطان قلاوون فانتهز الفرصة وخرج علي رأس جيش ضخم يقدر بأربعين ألف فارس في عام 688هـ/1289م، وعندما وصل الي طرابلس ضرب الحصار عليها واستمر الحصار لمدة 39 يوما، سقطت بعدها طرابلس في قلاوون بعد قتال عنيف، إذ لم تستطع مقاومة الحصار الذي فرضه عليها السلطان وبعد ان تم تدمير مدينة طرابلس القديمة امر قلاوون ببناء طرابلس جديدة بعيدا عن الشاطئ خوفا من تهديد الاساطيل الصليبية لهذه المدينة  ، وقد ترتب علي ولم يلبث المسلمون أن استولوا علي الماكز التي اخلاها الصليبيون قرب طرابلس مثل بيروت وجبلة، وبذلك لم يبق للصليبيين من ملكهم العريض في بلاد الشام سوى عكا وصيدا وصور وعثليث، ومن الواضح ان عكا كانت اعظم هذه المدن وامنعها، فضلا عن كونها المركز الجديد لمملكة بيت المقدس الصليبية بعد استيلاء صلاح الدين علي بيت المقدس، ومع ذلك فان المنصور قلاون اتجه بعد استيلائه علي طرابلس الي دمشق، حيث وافق علي تجديد الهدنة مع الصليبيين لمدة عشر سنوات، وبينما هم في الشام يخطبون ود السلطان قلاوون ويرجون ان تبقي لهم البقية الباقية من ممتلكاتهم بالشام، اذا ببعض الجموع الصليبية تقد من ايطاليا سنة 689هـ لتفسد الجو بين المسلمين والصليبيين، ذلك ان اولئك الصليبيين الجدد وصلوا الي عكا وهم يفيضون حماسة، وفي الوقت نفسه ينقصهم النظام والخبرة وضبط النفس، وكانوا أن بدأوا فور وصولهم بالعدوان علي المسلمين خارج اسوار عكا مما أنذر بتجدد الحرب بين المسلمين والصليبيين، ويقال ايضا ان قلاوون استشاط غضبا عندما رأي بعض ملابس ضحايا المسلمين مضرجة بالدماء، وأقسم علي ان ينتقم لهم من الصليبيين، وفي الوقت الذي أخذ قلاوون يستعد في مصر والشام للقيام بعمل حربي كبير ضد الصليبيين في عكا، اذا بالسلطان يموت فجأة سنة 689هـ، وكانت وفاته بمسجد التبر خارج القاهرة قرب المطرية وقد برز اليه عازما علي فتح عكا .

وفاة السلطان المنصور قلاوون

عزم السلطان سيف الدين قلاوون في سنة وفاته على الحج، غير أن أنباء وصلته عن اعتداءات قام بها صليبيو عكا على تجار مسلمين داخل أسوار المدينة، ناقضين بذلك الهدنة بين الطرفين؛ أقعدته عن عزمه، فرأى أن يقدم الغزو على الحج ولم يكد يفرغ السلطان قلاوون من كافة استعداداته الحربية، من أجل الخروج لفتح عكا، حتى دهمه الموت فجأة وهو بمخيمه - وقيل بدهلیزه ـ تجاه مسجد التبر ظاهر القاهرة، وكان ذلك في ٦ ذي القعدة 689هـ/1290م وبعد أن تم تجهيز السلطان قلاوون، وتغسيله وتكفينه بالقلعة، وأنزل منها في تابوت، ومشى قدامه الأمراء ، وأعيان الناس إلى أن وصلوا إلى تربته ببين القصرين فدفن بها وهكذا انتهت حياة السلطان قلاوون، بعد أن حكم أحد عشر عاماً وأشهر قلائل، حقق خلالها الكثير من الاصلاحات الداخلية، والانتصارات الخارجية، وكانت مدة حكمه 11 عاما و3 أشهر .

الخاتمة

في ختام هذا البحث عن السلطان المنصور سيف الدين قلاوون، نجد أن دراسة حياته وحقبة حكمه تمثل نقطة مضيئة في تاريخ الشرق الأوسط خلال القرون الوسطى والتاريخ الاسلامي، فقد برز قلاوون كشخصية استثنائية، قادرة على تحقيق التوازن بين القوة العسكرية والحكم الحكيم، وبناء نظام سياسي واقتصادي قوي في مصر والمنطقة الشامية.
من خلال البحث، استطعنا فهم أصول وتكوين السلطان قلاوون، والعوامل التي أثرت في تشكيل شخصيته القيادية، كما تناولنا تفاصيل توليه عرش سلطنة المماليك ودوره في تحقيق الاستقرار والتطور في المنطقة.
توضح صفات وشخصية السلطان قلاوون أهمية فهم تحولات القيادة والحكم في المنطقة، وكيف أثرت تلك الصفات في السياسة الداخلية والخارجية لحكمه، واستعرضنا أحوال مصر الداخلية والعمارة في عهده، وكيف شكلت سياساتها وإنجازاتها المشهد الحضاري والاقتصادي في تلك الفترة، من جانب آخر، ناقشنا السياسة الداخلية والخارجية للسلطان قلاوون، وكيف استطاع أن يتصدى للتحديات ويحافظ على استقرار المنطقة في وقت مضطرب.
وفي النهاية، لقد تطرقنا إلى وفاة السلطان قلاوون وتأثيرها على مسار التاريخ المصري والإسلامي، وكيف تركت إرثًا يتجاوز حدود الزمان والمكان، باختصار، يمكن القول إن السلطان المنصور سيف الدين قلاوون كان شخصية مؤثرة ورائدة في تاريخ العالم الإسلامي، وأثرت حقبة حكمه بشكل كبير على مسار التاريخ في المنطقة.

قائمة المصادر والمراجــــع

1. حسن الباشا، موسوعة العمارة والاثار والفنون الاسلامية – المجلد الاول، اوراق شرقية للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، القاهرة، 1999.
2. سعيد عبد الفتاح عاشور، الأيوبيون والمماليك في مصر والشام - دار النهضة العربية للنشر والتوزيع، القاهرة، 1976.
3. سعيد عبد الفتاح عاشور: العصر المماليكي في مصر والشام – دار النهضة العربية – القاهرة – 1965.
4. محمد حمزة اسماعيل الحداد، السلطان المنصور قلاوون (تاريخ - أحوال مصر في عهده - منشآته المعمارية)، مكتبة مدبولي، القاهرة، 1998.
5. محمد جمال الدين سرور، دولة بنى قلاوون في مصر: الحالة السياسية والاقتصادية في عهدها بوجه خاص، دار الفكر العربي للطباعة والنشر، القاهرة، مصر، 1947.
6. محمد عبد النعيم محمد عبده، الأيوبيين والمماليك في مصر والشام، دار الثقافة العربية، القاهرة، مصر، 2022.
7. مفيد الزيدي، موسوعة التاريخ الإسلامي - العصر المملوكي، دار أسامة للنشر والتوزيع، عمان، الأردن، 2009.
8. نور الدين خليل، المماليك المفترى عليهم 4 (المنصور قلاوون: بناء الحضارة)، دار الفتح للطباعة والنشر، الإسكندرية، مصر، 2007.

البحث من اعداد: History Teacher: SAMAR SAEED
السلام عليكم، نود أن ننوه علي حضراتكم أن الغرض من مشاركة الكتب الخارجية علي موقعنا هو الاطلاع على محتوى الكتاب وكذلك اتاحة الفرصة للطلاب لحل التدريبات اكتر من مرة لمن يحتاج ولكن ذلك لا يغني عن شراء الكتاب والموقع يخلي مسئوليته من أي استخدام تجاري أو شخصي للكتاب حيث اننا نشاركه من المصادر التي توفره بصيغة pdf فقط لا اكثر ولا اقل.



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-