بحث اكاديمي عن الحرب الصينية اليابانية 1894-1895 pdf
المقدمة
تعتبر الحرب الصينية اليابانية التي وقعت في الفترة من 1894 إلى 1895م من أبرز الصراعات التاريخية التي شهدتها المنطقة الآسيوية، حيث جمعت بين الإمبراطوريتين الصينية واليابانية في صراع متصاعد على الهيمنة في شرق آسيا، وبالأخص على شبه جزيرة كوريا وتايوان، تجمع هذه الحرب بين مجموعة من العناصر التاريخية والسياسية والاقتصادية التي أثرت على مسار التاريخ في المنطقة وشكلت نقطة تحول مهمة في العلاقات بين الدول المشاركة.
في هذا البحث، سنستعرض الجذور التاريخية للعلاقات بين الصين واليابان، حيث سنسلط الضوء على العوامل التي أدت إلى توتر هذه العلاقات وظهور الصراعات بينهما. كما سنتناول بداية الصراع على كوريا كمنطلق أساسي للتوترات بين البلدين، مع التركيز على الأحداث التي سبقت اندلاع الحرب ودور كوريا في هذا السياق.
سنتناول أيضًا تفاصيل اندلاع الحرب نفسها وما سبقها من تصاعد للتوترات بين الطرفين، مع التركيز على الأحداث الرئيسية التي وقعت خلال فترة الصراع وتأثيرها على مسار الحرب ونتائجها المحتملة. ومن ثم، سنقوم بتحليل الموقف الدولي تجاه هذه الحرب، ودور القوى الكبرى في تشكيل مسارها ونتائجها المحتملة.
وفي النهاية، سنقدم ملخصًا لنتائج الحرب وتأثيرها على العلاقات الدولية والتوازنات السياسية في المنطقة، مع التركيز على العواقب الطويلة الأمد لهذا الصراع على الدول المشاركة وعلى المنطقة بأسرها.
ستكون هذه الدراسة محاولة لفهم أعمق لأحداث وخلفيات الحرب الصينية اليابانية 1894-1895م وتأثيراتها على المنطقة والعلاقات الدولية في الفترة التي تلتها، وجدير بالذكر ان الصين تعد ومنذ عقود خلت في نهاية القرن التاسع عشر الهدف الأول للامبريالية اليابانية، لما تملكه الصين من ثروات طبيعية هائلة ومساحات شاسعة وكثافة سكانية تجعل منها أسواق عالمية لا يستهان بها بالنسبة للاستراتيجية التوسعية اليابانية، وان الأخيرة بدأت الدخول في الثورة الصناعية الأولى المبكرة وبعد الدول الغربية مباشرة، ولا سيما إن الباحث في تاريخ العلاقات ما بين الدولتين يجد في محاولته قد استخلص اساسا قواعد وثوابت قد تخضع للتغير وفقا لظروف معينة إلا أنه يمكن الاعتماد عليها عند تقويم علاقة هذين الدولتين.
التمهيد
في عام 1876، قامت حكومة اليابان بمظاهرة بحرية على سواحل كوريا بعد حادث بين البحارة اليابانيين والكوريين، ووقعت معاهدة تجارة تمنح اليابان الوصول إلى ثلاث موانئ كورية وتمنح الرعايا اليابانيين الإعفاءات القضائية فيها، وكانت هذه الخطوة الأولى لليابان تجاه دولة آسيوية بنفس الطريقة التي تتبعها الدول العظمى. لمنع الاستيلاء التدريجي على كوريا، غيّرت الحكومة الصينية موقفها السلبي ونصحت ملك كوريا بمقاومة نفوذ الدول الغربية واليابان.
وفي عام 1882، قاد حزب معاد للأجانب هجومًا على قصر الملك في كوريا، وأجبر الملكة على الفرار، لكنها عادت بعد انقلاب جديد. ورغم تقسيم أنصار الانفتاح على النفوذ الأجنبي في كوريا، حاولت مجموعة من الشبان الكوريين الذين درسوا في اليابان في عام ١٨٨٤ الاستيلاء على السلطة بالتعاون مع المفوضية اليابانية في سيول، ولكن فشلوا، وفي أبريل ١٨٨٥، نصت اتفاقية صينية يابانية على سحب قواتهما مع إمكانية التدخل في حالة حدوث اضطرابات مستقبلية بشرط التوافق المسبق، مما أغفل حق التدخل المشترك وأثر على سيادة الصين، وعلى الرغم من ذلك، حاولت حكومة الصين مرة أخرى تصحيح الوضع من خلال وزيرها في سيول، يوان شي كاي، الذي عمل على استعادة الروابط التبعية واصطدم في ذلك بجهود اليابان، بدأت حكومة كوريا، وهي في مثل هذا الضعف، في البحث عن تأييد إحدى الدول العظمى الأوروبية لها. دخلت في علاقات مع روسيا وطلبت منها إرسال معلمين عسكريين. بالمقابل، طالبت روسيا بحق إنشاء قاعدة بحرية في بورت لازاريف على الساحل الشرقي لكوريا. عارضت إنجلترا هذه الإدعاءات الروسية وأرسلت إسطولًا إلى بورت هاميلتون. لم تسحب إنجلترا الإسطول إلا بعد تلقي تأكيد بأن الروس لن يبقوا في بورت لازاريف. هكذا عملت مجموعات النفوذ الأوروبية في كوريا على تحييد نفسها. وفي الوقت نفسه، استمرت اليابان والصين في مواجهة بعضهما البعض، ولم ينفجر الصدام المتوقع إلا في يوليو 1894، حين وجد ملك كوريا نفسه مهددًا بحركة تمرد. استنجد بالصين، وأعلنت اليابان نيتها التدخل وفقًا لاتفاقية عام 1885، ولكنها أنزلت هناك 18.000 جندى فى الوقت الذي أرسلت فيه الصين 3.000 وأصبحت اليابان سيدة الموقف، وأفادت من ذلك وقدمت الى حكومة كوريا برنامجاً للإصلاح، ينفذ بمساعدة اليابان، وأجبرت الملك على أن يعين أحد أنصار النفوذ الياباني في منصب رئيس الوزراء، ثم قرر الملك نتيجة لذلك طرد القوات الصينية، وبالإختصار، وصلت كوريا إلى مرحلة مرورها تحت الحماية اليابانية، وعندئذ، أعلنت الصين الحرب، في أول أغسطس 1984، وفى طوكيو، كانت الإستعدادات كلها قد تمت، وإنتهزت الحكومة الفرصة من أجل الدخول في حرب توسعية بسرعة .
الجذور التاريخية للعلاقات اليابانية - الصينية
إن أهم أهداف الامبريالية اليابانية منذ نهايات القرن التاسع عشر هو الصين بما تمتلكه من ثروات طبيعية هائلة وأسواق ضخمة وزخم سكاني يمكن أن يفيد اليابان وهي في بداية نهضتها الصناعية الاقتصادية آنذاك، فاتجهت إلى البحث عن مجالها الحيوي في اليابسة والمياه في إقليم آسيا - الهادي، للحصول على مناطق نفوذ إقليمية ومستعمرات في الصين للانطلاق منها نحو باقي أجزاء القارة الآسيوية وعموما يمكن القول أن الفترة التاريخية الممتدة حتى عام ۱۹۱۱م منذ تاريخ العلاقات بين اليابان والصين لا تتسم بطولها فقط بل بتنوع وكثرة أحداثها، إذ شهدت تدخل اليابان المباشر في الشؤون الصينية التي كانت غارقة في التفكك والضعف السياسي والاقتصادي والعسكري وكل نواحي الحياة الصينية، وكانت الولايات المتحدة قد خشيت من ازدياد نفوذ اليابان في الصين مما يهدد مصالحها لذا عقدت الولايات المتحدة الأمريكية معاهدة وانغ شيا عام ١٨٤٤م مع الصين، والتي منحت فيها الصين حق الدولة الأولى بالرعاية من قبل الولايات المتحدة وفتح الموانئ الصينية أمام السفن الأمريكية، الا ان الولايات المتحدة عادت وأجبرت علي عقد معاهدة ثانية عام ۱۸٥٨م بعد حرب الأفيون الثانية.
وقد تضمنت المعاهدة الجديدة بنود وانغ شيا فضلا عن بنود أخرى منها حق السفير الأمريكي بالإقامة في بكين وحق امتداد القوانين مع توسيع نطاقه وفتح المزيد من الموانئ وشروط محددة لإعادة النظر في المعاهدة واخيرا شرعية تجارة الأفيون والعمال الصينيين إلا إن الولايات المتحدة لم ترغب الاصطدام بالآلة العسكرية اليابانية المتفوقة آنذاك، وأبرمت معاهدة كاناغاوا السالفة الذكر مع اليابان والتي منحت سفن الولايات المتحدة حق الدخول الى المياه الإقليمية والموانئ اليابانية دون عوائق، ويبدو ان الحكومة اليابانية في الوقت الذي كانت فيه منشغلة في اقتباس أصول الحضارة الغربية والإفادة من علوم الغرب المتقدمة وتحقيق سلسلة من الإصلاحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي حققتها حكومة (المايجي - أيشن)، ألا أنها بعد فترة أخذت تجنح نحو التوسع الإقليمي خارج حدودها ولاسيما نحو الاقاليم الصينية، لذا سعت إلى التقدم تكرارا في الأقاليم والأراضي الصينية بشكل مباشر ، وكانت السياسة اليابانية تهدف من وراء ذلك إقامة إمبراطورية يابانية وتوفير الأسواق لبضائعها ومصدر للمواد الخام، ومنذ عام ١٨٦٩م باشرت بإرسال بعثات إلى الصين مستغلة انشغال الدول الأوربية بالحروب وكانت أول معاهدة صينية يابانية قد وقعت عام ۱۸۷۱م وبعد ثلاث سنوات هاجمت اليابان جزر ياكيا التي كانت تدفع الضريبة للصين وكذلك فرموزة بحجة اغتيال بعض اليابانيين هناك واحتلت قسما من الجزيرة ثم تلى ذلك عقد معاهدة وافقت اليابان بموجبها على سحب قواتها مقابل تعويضات جسيمة وفي ١٨٧٦ انتهكت اليابان المعاهدة بدون إعلان الحرب والحقت جزر ياكيا بامبراطوريتها وفي السنة نفسها بدأ التغلغل الياباني في كوريا حتى وصلت عام ۱۸۸۵م مرحلة إعلان كوريا قابلا للتحدي إذ كان ملوكها يقلدون علي ايدي اباطرة الصينيين ويدفعون لهم الضرائب ، بدأت اليابان تجنح نحو التوسع الاقليمي خارج حدودها ولاسيما نحو الأقاليم الصينية خاصة بعد عقد معاهدة تيانجين وتهافت الدول الاوربية على كوريا، مما أشعر اليابانيون بخطورة سيطرة الفرنسيين على كوريا فبدأو يسيرون في الاتجاه نفسه وأرسلوا عام 1872م بعثات الى كوريا إلا انها فشلت في تحقيق أهدافه، لذا اتخذت اليابان من إطلاق الكوريين النار على سفينة يابانية عام 1875م ذريعة لإنزال قواتها في البر واضطرت الحكومة الكورية للتسليم وعقد معاهدة كاننهوا في 26 شباط عام 1876م وافقت بموجبها على فتح عدة موانئ للتجارة وعلى تبادل البعثات الدبلوماسية واعترفت اليابان بكوريا دولة مستقلة، بعد أن كانت تعترف بسيادة الصين عليها .
بداية الصراع علي كوريا
منذ عام 1894م أصبح الصراع علي كوريا يحتل المكانة الاولي في السياسة اليابانية وذلك باعتبار ان كوريا تمثل صلة الوصل بين الصين واليابان فالتأثير الصيني انتقل الي اليابان في العصور التاريخية الطويلة عبر كوريا، وبدأ الصراع علي كوريا منذ منتصف القرن التاسع عشر، وتجدد في عام 1885م وانتهت الأزمة بإتفاقية لي ايتو Li-Ito convention حيث تخلت كل من الصين واليابان عن ادعاءاتهما في المحكمة بالسيطرة علي كوريا، وجدير بالذكر ان هذه الاتفاقية لم تكن نهائية بل استمرت الصين باعتبار نفسها صاحبة الاختصاص بسياسة كوريا الخارجية ولم تكن اليابان راضية عن ذلك، وبينما كانت الحكومة والقصر الكروي محافظين وموالين للصين، فإن بعض العناصر وجدت في اليابان أكثر من حليف لها .
وتمثلت أزمة الشرق الاقصى منذ عام 1894م في الأزمة الصينية، وكان جوهر الصراع رفض الحكومة الصينية الأخذ بالتقنيات الغربية الحديثة وظلت تعتمد على الأنظمة القديمة مما ادي الي ضعف النظام العسكري والاداري وفساد داخل الحكومة ولم تضع الحكومة خططا اصلاحية تستدرك فيها ضعف البلاد وكل ما انشغلت به هو التفتيش عن المعارضين لها في جمعيات وتنظيمات سرية، وقد ادي ذلك الي محاولة الاجانب في استغلال الاسواق الصينية ، ومن ناحية اخري فان الفكر الاستعماري التوسعي هو الذي كان يسود العالم، وكانت الفكرة المنتشرة في العالم وقتها هي توسع الدول الكبرى على حساب الدول الأضعف بما يخدم مصالحها، فطالما انهت اليابان ارساء قواتها ومن ثم سوف تسير علي وتيرة الدول العظمى وان يكون لها مجال استعماري خارج حدودها .
ما قبل اندلاع الحرب الصينية – اليابانية
بدأت اليابان تجنح نحو التوسع الاقليمي خارج حدودها ولاسيما نحو الأقاليم الصينية خاصة بعد عقد معاهدة تيانجين وتهافت الدول الأوربية على كوريا. مما أشعر اليابانيون بخطورة سيطرة الفرنسيين على كوريا فبدأوا يسيرون في الاتجاه نفسه وأرسلوا عام ۱۸۷۲م بعثات الى كوريا إلا انها فشلت في تحقيق أهدافها. لذا اتخذت اليابان من إطلاق الكوريين النار على سفينة يابانية عام ١٨٧٥م ذريعة لإنزال قواتها في البر واضطرت الحكومة الكورية للتسليم وعقد معاهدة كاننهوا في ٢٦ شباط عام ۱۸٧٦م وافقت بموجبها على فتح عدة موانئ للتجارة وعلى تبادل البعثات الدبلوماسية واعترفت اليابان بكوريا دولة مستقلة، بعد أن كانت تعترف بسيادة الصين عليها، وواصلت اليابان الضغط على الصين لإجبارها على التنازل عن كوريا مستغلة الأوضاع الداخلية التي تعاني منها الصين الذي انقسم سكانه ما بين محافظ وتقدمي، وكان الحزب التقدمي موالي لليابان في حين كان المحافظون يؤيدون الصين وحدث أن هاجم المحافظون المفوضية اليابانية في سيئول صيف ۱۸۸۲م وتم احراقها واغتيال بعض موظفيها مما أدى الى هرب الوزير المفوض بالقوة واجبرت كوريا على توقيع معاهدة جديدة في آب عام ۱۸۸۲م وافقت فيها على تقديم اعتذار رسمي ودفع تعويضات ومعاقبة المجرمين ووضع حامية عسكرية يابانية في سيئول لحماية المفوضية ، مارست اليابان نفس السياسة التي مارستها الدول الأوروبية مع اليابان من قبل وهي سياسة الحصول على امتيازات اقتصادية ونفوذ سياسي وفرض فتح مواني وأسواق شبه الجزيرة الكورية أمام المنتجات والتجار من اليابان، وقد اعتمدت اليابان في سياستها نحو كوريا ونحو غيرها (الصين وروسيا وغيرها ) على قوتها الاقتصادية والعسكرية ذلك أن اليابان التي نهضت في جميع النواحي شهدت تطورا اقتصاديا دفعها إلى البحث عن موارد وأسواق خارجية، بالإضافة إلى الطابع الجديد للدولة في اليابان وهو الطابع العسكري، استغلت الحكومة اليابانية سوء معاملة كوريا لبعثة يابانية إلى مدينة "سول" عاصمة كوريا حينها، وعزمت على إرسال حملة لتأديب الكوريين وقد حاولت السفن اليابانية في الأعوام من 1872 م إلى 1875م اقتحام بعض الموانئ الكورية ولكن التهديدات اليابانية انتهت بفرض شروط اليابان على كوريا تقضى بإقامة علاقات دبلوماسية وتجارية تحت التهديد العسكري، إلى جانب فتح ثلاث موانئ كورية أمام التجارة اليابانية، وتم فتح مفوضية يابانية في سول، واستخدام ضباط يابانيين في تدريب الجيش الكوري الحديث ، وعندما حدثت ثورة شعبية في كوريا عام 1982م ضد الاسرة المالكة الكورية، حاولت اليابان استغلال هذه الثورة وقامت بإرسال قوات عسكرية الي شبه جزيرة كوريا، وتلقت الخارجية اليابانية نبأ استنجاد الحكومة الكورية بالقوات الصينية للقضاء علي الثورة من القائم بالأعمال الياباني في سيول 4 يونيو 1894م وأكملت البرقيات التي جاءت من القنصلية اليابانية في تيين تسن والمفوضية اليابانية في بكين، وبعد ثلاثة ايام أي 7 يونيو 1894م أخطر الوزير المفوض الصيني الخارجية اليابانية بأن بلاده تعتزم ارسال قوات عسكرية الي كوريا تلبية لمطالب الحكومة الكورية، وبمجرد تجمع تلك المعلومات الرسمية، أبرقت الخارجية اليابانية إلى الوزير المفوض لدى بكين، تأمره بإبلاغ الخارجية الصينية أن بلاده تزعم إرسال قوات عسكرية إلى كوريا، تطبيقاً - للمادة الثالثة من الاتفاقية الصينية - اليابانية المبرمة عام 1885م وحاولت الحكومة الصينية -عبثاً- أن تمنع الصدام المرتقب عن طريق طلب الوساطة من الدول الكبرى، واقترح إيتو -رئيس الوزارة اليابانية- إرسال لجنة صينية يابانية مشتركة إلى كوريا، غير أن الاقتراح تم رفضه من قبل الجانب الصيني بحجة انتفاء الحاجة إليه بعد ما تم إحباط الثورة، وأن القوات الصينية سوف تنسحب بمجرد تسوية الأمر ولفتت الحكومة الصينية أنظار اليابان إلى أن اعترافها باستقلال كوريا يتطلب ترك أمر الإصلاحات الداخلية للحكومة الكورية، دون تدخل خارجي في الشئون الداخلية لكوريا، وإزاء رفض الصين لفكرة القيام بعمل مشترك مع اليابان في كوريا، قررت الحكومة اليابانية أن تنفرد بالعمل وحدها، وأخطرت الحكومة الصينية بأنها لن تسحب قواتها من هناك، عندئذ تدخل الوزير الروسي المفوض لدى طوكيو، واقترح أن يقوم اليابانيون بالانسحاب في مقابل انسحاب الصينيين، وإلا تحملت اليابان مسئولية ما قد يترتب على وجودها في كوريا، ولم تعر الحكومة اليابانية هذا التهديد المقنع التفاتاً، كما رفضت وساطة إنجلترا، وأخذت تعد العدة لتحكيم السلاح .
شرارة اندلاع الحرب وإعلان بدايتها رسميا
عندما التقت بعدها ثلاث سفن حربية صينية كانت تتولي حراسة ناقلة جنود صينية على ظهرها 1200 جندي بثلاث سفن حربية يابانية اخرى في طريقها الي كوريا وذلك في 25 يوليو 1894م قامت بإطلاق النار عليها فنشبت معركة بحرية صغيرة راحت ضحيتها ناقلة الجنود الصينية عندما أغرقت بمن عليها من الجنود، وأسرت احدى السفن الحربية الصينية، وأعقب ذلك، قيام اليابانيين بتنفيذ رغبة ملك كوريا وطرد القوات الصينية، فهاجمت القوات اليابانية في كوريا القوات الصينية وألحقت بها الهزيمة، دون أن تعلن الحرب رسميا.
وجاء الاعلان الرسمي للحرب من جانب اليابان في أول أغسطس، وتبعه اعلان الحرب من الجانب الصيني، وآثرت الدول الكبرى الوقوف على الحياد، وفي 26 أغسطس وقعت كوريا معاهدة تحالف ودفاع مشترك مع اليابان، وفي منتصف سبتمبر، انتقل الامبراطور مايجي الي هيروشيما واتخذ منها مركزا للقيادة العليا للجيش الامبراطوري، كما انتقل المجلس النيابي الي هناك، حيث ادار شئون البلاد طوال الحرب .
أحداث الحرب
في 16 سبتمبر سقطت بيونج يانج -مركز تجمع القوات الصينية في كوريا- بيد اليابانيين، وفي البحر دارت رحى معركة البحر الأصفر التي هزم فيها الاسطول الصيني امام مصب نهر يالو، وبهذا النصر انفردت اليابان بالسيطرة علي البحر طوال الحرب، ونزل الجنرال ياماجاتا قائد الجيش الاول بقواته الي كوريا في اكتوبر واتجه الي منشوريا عبر نهر يالو حيث استولي على المراكز العسكرية الصينية الهامة في كيو ليان تشينج وفينج هوانج تشينج، وفي منتصف ديسمبر استولي على هاي تشينج وأقام حكومة عسكرية في آنتونج لمعالجة المسائل المدنية.
أما الجيش الثاني بقيادة الجنرال أوياما فقد نزل الي شبه جزيرة لياو تونج واستطاع الاستيلاء على دايرن وبورت آرثر، وتشن تشاو، واستطاعت بعض وحداته ان تتجه من بورت آرثر صوب شبه جزيرة شانتونج، وأن تستولى على مدينة واي هاي واي في 2 فبراير 1895م، واضطر وقتها الاسطول الصيني الي الاستسلام في 12 من نفس الشهر، وانتحر قائده الصيني عندما شاهد الكارثة التي حاقت بأسطوله.
وفى مارس، اتحد الجيشان الأول والثاني، وزحفا صوب بكين، حيث استوليا في الطريق على مدن نيو تشوانج، وينكاو، وتيان تشوانج تاى. وتوالت الهزائم على الصين الواحدة تلو الأخرى دون أي امل ان تحول الأوضاع إلى صالحها، فلجأت الحكومة الصينية إلى طلب الوساطة من الروس والإنجليز لوقف إطلاق النار وإنهاء الحرب، ولكنها لم تنجح إلا في الحصول على بعض العون المادي من الدولتين.
وبعد محاولات فاشلة من جانب الصين لفتح باب المفاوضات مع اليابان حول الصلح التقى "لي" نائب امبراطور الصين مع ايتو رئيس الوزارة اليابانية حول مائدة المفاوضات في شيمونوسيكي (19 مارس 1895م) حيث توصل الطرفان الي اتفاق حول هدنة بلا قيد أو شرط، ثم وقع الطرفات معاهدة الصلح في 17 ابريل وخلال المفاوضات قدم الامريكيون والانجليز النصح والمشورة للطرفين المتفاوضين، وبموجب معاهدة شيمونوسيكي، اعترف الطرفان باستقلال كوريا استقلالا تاماً، وتنازلت الصين عن شبه جزيرة لياوتونج، وجزيرة فورموزا، وجزر السبكادور، وتعهدت بدفع مائتي مليون تايل من الفضة (تعادل 269.4 مليون دولار امريكي) علي سبيل التعويض، كما تعهدت بفتح اربع مدن صينية امام التجارة اليابانية وهم: شاشي، تشونج كنج، سوتشاو وهانج تشاو، وجدير بالذمر انه لم تتمكن الدول الكبرى من الحيلولة دون تحقيق اليابان لهذا النصر، فقد كانت العمليات العسكرية اليابانية تدار بتنسيق تما برا وبحرا، وخلال ثمانية شهور هزمة تلك الدولة الجزرية الصغيرة الامبراطورية الصينية العريقة ذات التعداد السكاني الهائل والموارد المتنوعة وقضت علي قواتها العسكرية واضطرتها الي الالحاح لطلب الصلح وكان ذلك بعيدا عن مخيلة الدول الكبري التي وقفت تترقب عن كثب ولذلك جاءت نتيجة الصراع مثيرة لدهشتهم ومخالفة لتوقعاتهم.
الموقف الدولي من الحرب
لم يكن اتفاق شيمونوسيكي يرضي القوى الدولية المنافسة لليابان وبصفة خاصة روسيا فعقد ممثلو روسيا وفرنسا والمانيا في طوكيو اجتماعا يوم 23 نيسان عام 1899 قرروا فيه النصح لليابان بالتخلي عن اي تفكير للاستيلاء علي شبه جزيرة لياوتونج والجزء الذي تطالب به في منشوريا ، أما بريطانيا فهي وان لم تنضم للدول الثلاث الا انها لم تساند اليابان وكانت تظهر الميل نحو تأييد نصيحة الدول الاوروبية الثلاث ولم تكن اليابان تستطيع ان تتحدى هذه القوى ولم يكن امامها سوى الخضوع وعقد المجلس الامبراطوري الياباني اجتماعا في 29 نيسان وافق فيه عن التخلي عن مطالب اليابان في شبه جزيرة لياوتونج مقابل ان تدفع الصين تعويضا اضافيا قدره "30 مليون تايل" اي ما يعادل 17 مليون دولار وقد اعتبر الموقف هذا بمثابة اذلال وطني لليابان من جانب الدول الغربية وكانت روسيا موضع الاستياء الاساسي من قبل اليابان وكان هذا من عوامل الحرب التاي قامت بينهم في 1904-1905م، أما حكومة الإمبراطورية الصينية فإنها أصبحت مغلوبة على أمرها، وكان أمر عجزها عن مقاومة هجوم ياباني هو أمر كبير الخطورة، ولم يكن من الصعب عليها قياس نتائجه على مستقبل العلاقات الصينية اليابانية، وكانت مهددة بخطر اخر، فهذه الحرب، التي أظهرت ضعف الامبراطورية ألن تتسبب في تشجيع الأوربيين على التوسع في مطالبهم؟ وأعطت جريدة نورث تشينا هيرالد North China Herald، والتي كانت تمثل مصالح الأجانب، تحذيرا، منذ شهر سبتمبر ١٨٩٥: "فإنها كانت الصين، لا ترغب في أن تحكم نفسها، فهناك آخرون يقدرون على ذلك ، ويرغبون فيه" ، وجدير بالذكر أن هزيمة الصين عام ۱۸۹٥م لم تكن امام قوى اوربية بل امام قوة اسيوية فإتفاق شيمونوسيكي أقنع الصينيين بضرورة الاصلاح، وهنا نجد أن رد الفعل الصيني على هذا الاتفاق تراوح بين الاعجاب بما حققته اليابان من تقدم مستعينة بالعلوم والتكنولوجيا، وبين حركات عنف وثورات قام بها الشعب الصيني ضد القوى الاجنبية ومن ضمنها اليابان .
ملخص نتائج الحرب
1- تنازلت اليابان عن جزيرة لياوتونك ثم منشوريا كما قامت بإخلاء ميناء آرثر مقابل زيادة الغرامات الحربية ولم تحتفظ اليابان بنصرها العسكري إلا بالسيطرة على فرموزة، من ذلك يبدو أن هذا التخلي الياباني جاء نتيجة كمحاولة يابانية لتجنب استعداد الدول الكبرى وإمكانية دعمها للصين أو إثارة المشاكل في ظل عدم وجود حليف قوي معها في تلك المرحلة، لذلك نرى أن اليابان قد سعرت بالمرارة وسعت بعد ذلك لتدعيم موقفها العسكري ورفعت شعار (دولة قوية وجيش قوي) .
٢- أدت الحرب إلى تغيير في ميزان القوى في الشرق الأقصى إذ أظهرت التفوق الياباني كقوة كبرى ينبغي حساب قوتها في التوازنات الاقليمية والدولية.
٣- أدت هذه الحرب الى زيادة المطالبة بالإصلاح وتطوير الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية في الصين لتكون قادرة على صد الهجمات الاجنبية.
٤- زيادة التوزان الدولي بين القوى الدولية سواء التقليدية الأوربية أو الحديثة مثل اليابان .
لقد قدمت الدول الغربية الكبرى خدمة للصين عندما ضغطت على اليابان للتنازل عن أراض صينية، ولكنها لم تكن مجانية حيث حصلت بمقتضى ذلك على امتيازات وحقوق كثيرة من الصين فوقعت مع روسيا على اتفاقية عام ١٨٩٦م، أما بريطانيا فقد حصلت على امتياز استغلال ميناء واي-هاي-اي المواجه لميناء آرثر لموازنة ومراقبة الوجود الروسي في المنطقة وحصلت كذلك على استغلال الاقاليم المواجهة لجزيرة هونك كونك، أما فرنسا حصلت على امتياز استغلال إقليم كوانج تشيوان وحق مد خط حديد في إقليم فوكن، أما المانيا فقامت باحتلال ميناء كياوتشو وفرضت على الصين معاهدة تعرف بموجبها بالنفوذ الألماني في إقليم شانتوك .
الخاتمة
تجسدت الحرب الصينية اليابانية في فترة 1894-1895م كنقطة تحول حاسمة في تاريخ العلاقات الصينية اليابانية وتأثيرها العميق على المنطقة والعالم بأسره. تعكس هذه الصراعات العديد من الأبعاد السياسية والاقتصادية والثقافية التي لا تزال تلقي بظلالها على الساحة الدولية حتى اليوم. فمن خلال تفوق اليابان في الجوانب العسكرية والتكنولوجية، والتنازلات التي فرضتها على الصين باتفاقية شيمونوسيكي، أُحدثت تحولات جذرية في التوازنات السياسية في شرق آسيا، ومع نهاية الحرب وتوقيع المعاهدات، استمرت التوترات بين البلدين على مر العقود، مما أسهم في اندلاع صراعات أخرى في المنطقة، بما في ذلك الحرب العالمية الثانية. ومن هذا المنطلق، يظل فهم هذه الحرب وتحليل نتائجها أمرًا ضروريًا لفهم تاريخ آسيا الحديث وتأثيرها الدائم على العلاقات الدولية والسياسات الإقليمية.
بالتالي، يجب أن تكون الدروس المستفادة من هذه الحرب واضحة ومفهومة، لتوجيه السياسات واتخاذ القرارات المستقبلية بما يحقق السلام والاستقرار في شرق آسيا والعالم بشكل عام. ومن هذا المنطلق، يجب أن تكون الجهود المبذولة لتعزيز التفاهم والتعاون الثنائي بين الصين واليابان على رأس أولويات المجتمع الدولي، لضمان بقاء المنطقة والعالم في زمن السلام والازدهار.
ولقد توصلت من خلال هذا البحث إلى جملة من النتائج أهمها:
1. إن الأهمية الإستراتيجية والحيوية للصين والموارد الاقتصادية التي تتمتع بها جعلها تعتمد على الاكتفاء الذاتي دون الحاجة إلى إقامة علاقات مع الدول الغربية وقد سعت هذه الدول إلى إخراج الصين من عزلتها واستنزاف مواردها الاقتصادية.
2. غيرت الحرب اليابانية الصينية ميزان توازن القوى في الشرق الأقصى، حيث أظهرت اليابان كقوة كبرى ينبغي حساب قوتها في التوازنات الإقليمية والأوروبية.
3. قامت الدول الغربية باستغلال هذه الحرب لصالحها حيث قدمت خدمة للصين عندما ضغطت على اليابان للتنازل عن أراضي صينية عديدة، ولكن هذه الخدمة لم تكن مجانية، حيث حصلت الدول الاوروبية على حقوق امتيازات كثيرة في الصين كما أشرنا سابقا.
4. أدت هذه الحرب لزيادة حاجة الصين للانفتاح حول العالم الخارجي وذلك لأن اندحار الصين في هذه الحرب أمام اليابان لا يمكن تبريره لأن اليابان دولة صغيرة ناشئة.
5. قيام الحركات الإصلاحية والانتفاضات التي مهدت الطريق لثورة ۱۹۱۱ التي تزعمها "صن يات صن" من والتي أسقطت النظام الإمبراطوري وأعلنت النظام الجمهوري.
قائمة المراجــع
2. أسماء سعيد سعد أبوخضرة، المجلة العلمية بكلية الآداب جامعة طنطا، ع42، 2021.
3. جلال يحيى، الشرق الأقصى الحديث والمعاصر، دار المعارف، مصر، 1985.
4. حبيب البدوي، تاريخ اليابان السياسي بين الحربين العالميتين، دار النهضة العربية، لبنان، 2013.
5. حسن علي سبتي الفتلاوي، العلاقات الأمريكية –اليابانية (1850-1922)، ب.ن. ، بغداد، 2004.
6. رأفت غنيمي الشيخ ومحمد رفعت عبد العزيز وناجي هدهود، دار عين للدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية، مصر، ط2، 2004.
7. رؤوف عباس حامد، المجتمع اليابانى فى عصر مايجى، ميريت للطباعة والنشر، القاهرة، 2000.
8. سمعان بطرس فرج الله، العلاقات السياسية الدولية فى القرن العشرين، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، 1974.
9. صفاء كريم شكر العزاوي، السياسة الأمريكية اتجاه الصين (1895-1931)، أطروحة دكتوراه غير منشورة، المعهد العالي للدراسات السياسية والدولية، 2005.
10. فوزي درويش، اليابان: الدولة الحديثة والدور الأمريكي، مطابع غباشي، طنطا، 1989.
11. محمد علي القوزي وحسان حلاق، تاريخ الشرق الأقصى - الحديث والمعاصر، دار النهضة العربية، بيروت، ط1، 2001.
12. محمد نعمان جلال، الصراع بين اليابان والصين، مكتبة مدبولي، القاهرة، 1989.
13. نوري عبد الحميد العاني، تاريخ الصين الحديث، د.ن. ، بغداد، 2003.